ما الذي تسعى إليه تركيا من خلال تحالفي مكة وبدر؟

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلتقي نظراءه الباكستاني محمد إسحاق دار، والمصري بدر عبد العاطي، والسعودي فيصل بن فرحان آل سعود، على هامش اجتماع وزراء خارجية الرباعية الإقليمية (R4)، التي تضم تركيا ومصر وباكستان والسعودية، واستضافه فيدان في إسطنبول في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
التعليق على الصورة، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يلتقي نظراءه الباكستاني محمد إسحاق دار، والمصري بدر عبد العاطي، والسعودي فيصل بن فرحان آل سعود، على هامش اجتماع وزراء خارجية الرباعية الإقليمية (R4)، التي تضم تركيا ومصر وباكستان والسعودية، واستضافه فيدان في إسطنبول في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
    • Author, بي بي سي التركية
    • Reporting from, أنقرة
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

تستضيف إسطنبول، اليوم الجمعة، أول اجتماع من نوعه يجمع وزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية بنظرائهم من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، لبحث قضايا تهم الشرق الأوسط وأوروبا وتعزيز التنسيق بين الدول المشاركة.

ويأتي الاجتماع في وقت بات فيه توسيع التحالفات وآليات التعاون الأمني مع دول الشرق الأوسط من أبرز ملامح السياسة الخارجية والأمنية التركية، ضمن نهج تتبناه أنقرة وتسميه "تولّي دول المنطقة زمام المبادرة".

وفي إطار هذا النهج، أدّت تركيا دوراً فاعلاً في تأسيس تحالف مكة مع السعودية وباكستان، ثم في توقيع مذكرة تفاهم بدر مع قطر وباكستان وإندونيسيا.

وتسعى أنقرة من خلال هذه المبادرات إلى المساهمة في تشكيل منظومة أمنية إقليمية جديدة في الشرق الأوسط، وفتح أسواق جديدة أمام صناعاتها الدفاعية الآخذة في التوسع.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف
التعليق على الصورة، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد أعلنوا معاً عن تحالف مكة في 7 أغسطس/آب.

ما سياسة "تولّي دول المنطقة زمام المبادرة"؟

بدأت تركيا تطبيق نهج جديد في السياسة الخارجية تطلق عليه "تولّي دول المنطقة زمام المبادرة"، ولا سيما بعد تولّي هاكان فيدان منصب وزير الخارجية في يونيو/حزيران 2023.

وفي شرحه لهذا النهج، قال فيدان إن أفضل سبيل لحل المشكلات الإقليمية يتمثل في إنشاء آليات تعاون وتحالفات بين دول المنطقة نفسها.

ويرى فيدان أن تدخّل القوى الكبرى من خارج المنطقة يؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار.

وفي تصريح أدلى به في أغسطس/آب، أشار فيدان إلى أن تركيا تعمل على بناء "منظومة أمنية إقليمية تقوم على تولّي دول المنطقة زمام المبادرة".

وقال: "نقول دائماً إن من المهم تعزيز دور دول المنطقة في تولّي زمام المبادرة. فالقوى الخارجية المهيمنة لا تحلّ مشكلات المنطقة، بل تزيدها حدّة، وبتكلفة باهظة للغاية".

وأضاف: "على دول المنطقة أن تتجه نحو أطر مؤسسية أكثر رسوخاً لضمان أمنها واستقرارها الاقتصادي وتنميتها وازدهارها".

وأسفرت الاتصالات التي أجراها الرئيس رجب طيب أردوغان مع قادة الدول، ووزير الخارجية هاكان فيدان مع نظرائه منذ عام 2023، عن إنشاء ثلاث آليات مهمة هذا العام:

  • الرباعية الإقليمية (R4): تضم تركيا ومصر وباكستان والسعودية.
  • تحالف مكة: يضم تركيا وباكستان والسعودية.
  • تحالف بدر: يضم تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا.

الآلية الأولى: الرباعية الإقليمية

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

بحسب مصادر في وزارة الخارجية التركية، أُنشئت آلية الرباعية الإقليمية استناداً إلى مبدأ تولّي دول المنطقة زمام المبادرة، بهدف "دعم الاستقرار الدائم وتعزيز الحوار بشأن القضايا الإقليمية".

وعقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعهم الأول في الرياض في 18 مارس/آذار 2026، واجتمعوا ست مرات حتى الآن.

وكان آخر اجتماع لهم في نيويورك في 21 سبتمبر/أيلول، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن المقرر أن يلتقوا اليوم الجمعة، 23 أكتوبر/تشرين الأول، في إسطنبول، وزراء خارجية المجموعة الأوروبية الثلاثية (E3)، التي تضم ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة.

وسيكون هذا أول اجتماع يجمع دول الرباعية الإقليمية والمجموعة الأوروبية الثلاثية بهذه الصيغة، بهدف بحث مجموعة من القضايا التي تهم الشرق الأوسط وأوروبا، وتعزيز التنسيق بين المشاركين.

وبناءً على نتائج اجتماع إسطنبول، من المتوقع أن تتحول صيغة الرباعية الإقليمية والمجموعة الأوروبية الثلاثية (R4+E3) إلى منصة لعقد اجتماعات دورية مستقبلاً.

وتبادل فيدان خلال محادثات أجراها مؤخراً مع نظرائه الأوروبيين وجهات النظر بشأن إمكان تطبيق نهج تولّي دول المنطقة زمام المبادرة على القضايا التي تهم القارة الأوروبية أيضاً.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان
التعليق على الصورة، التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، في الرياض في 5 أكتوبر/تشرين الأول.

مصر لم تنضم إلى تحالف مكة

بينما تركّز آلية الرباعية الإقليمية بصورة أساسية على المشاورات السياسية وتبادل وجهات النظر، وقّعت ثلاث من دولها، هي تركيا وباكستان والسعودية، اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب، وأعلنت إنشاء تحالف يُعرف باسم تحالف مكة.

ولم تنضم مصر إلى التحالف.

وأشارت تقارير إعلامية دولية إلى رغبة عدد من الدول، من بينها قطر والكويت وبنغلاديش، في الانضمام إليه.

ورداً على سؤال بشأن احتمال انضمام أعضاء جدد، قال فيدان: "هذا تحالف أُنشئ أصلاً بهدف التوسع".

وبموجب اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي أُحيلت إلى البرلمان التركي للتصديق عليها، تتولى "الأطراف الأساسية"، وهي تركيا وباكستان والسعودية، اتخاذ القرارات المتعلقة بانضمام دول جديدة إلى التحالف مستقبلاً.

ويُعدّ من أبرز بنود الاتفاقية، المؤلفة من 16 مادة، اعتبار أي هجوم مسلح من مصدر خارجي على أحد أعضاء التحالف هجوماً على جميع أعضائه.

ويشبه هذا البند المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي تنتمي إليه تركيا منذ عام 1952.

ويُنظر إليه بوصفه مؤشراً على دخول التعاون الأمني والدفاعي بين تركيا وباكستان والسعودية مرحلة جديدة، وتجسيداً ملموساً للمنظومة الأمنية الإقليمية التي تحدث عنها فيدان.

تُعدّ شركة "أسيلسان"، التي تستثمر في الصناعات الدفاعية والرادارات وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية، الأعلى قيمة في تركيا بفارق كبير عن بقية الشركات، إذ تبلغ قيمتها السوقية نحو 32 مليار دولار.
التعليق على الصورة، تُعدّ شركة "أسيلسان"، التي تستثمر في الصناعات الدفاعية والرادارات وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية، الأعلى قيمة في تركيا بفارق كبير عن بقية الشركات، إذ تبلغ قيمتها السوقية نحو 32 مليار دولار.

هل سيزداد نفوذ تحالف مكة؟

اتخذت تركيا، من خلال تحالف مكة، خطوة مهمة نحو إقامة علاقات أمنية في الشرق الأوسط شبيهة بتلك التي تربطها بالدول الأوروبية والأطلسية.

وتشدّد تركيا والسعودية وباكستان باستمرار على أن التحالف ليس موجّهاً ضد أي دولة، وفي مقدمتها إسرائيل، وأن هدفه تعزيز مبدأي الردع والدفاع الجماعيين، على غرار حلف الناتو.

وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه ينظر بإيجابية إلى هذه المبادرة.

ومع استمرار واشنطن في بحث الانسحاب الكامل من الشرق الأوسط، رغم التوترات مع إيران، تُطرح تساؤلات بشأن مدى تنامي النفوذ الإقليمي لدول تحالف مكة مستقبلاً.

ولم تتمكّن السعودية من منع هجمات الحوثيين المتمركزين في اليمن.

كما لم تتلقَّ السعودية حتى الآن دعماً عسكرياً ملموساً من الدول الأعضاء في تحالف مكة.

وكانت وزارة الدفاع التركية قد أعلنت الأسبوع الماضي أن مسألة تقديم دعم عسكري محتمل للسعودية قد تُطرح على جدول الأعمال بعد تصديق الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا (البرلمان التركي) على اتفاقية التحالف.

وقّع مذكرة تفاهم بدر في الدوحة في 21 أكتوبر/تشرين الأول كلّ من رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون، ووزير الدفاع التركي يشار غولر، ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع القطري الشيخ سعود بن عبد الرحمن بن حسن آل ثاني، ووزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، ونائب وزير الدفاع الإندونيسي يوسف جوهاري.
التعليق على الصورة، توقيع مذكرة تفاهم بدر بين تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا في الدوحة، في 21 أكتوبر/تشرين الأول.

أحدث خطوات تركيا: تحالف بدر

يشكّل التعاون في الصناعات الدفاعية ركيزة أساسية في علاقات تركيا الثنائية ومتعددة الأطراف مع دول المنطقة.

ويتضمن تحالف مكة أيضاً بنوداً تشجّع التعاون في هذا المجال بين الدول الأعضاء.

وتهدف مذكرة تفاهم بدر، التي وقّعها مسؤولون دفاعيون من تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا في الدوحة في 21 أكتوبر/تشرين الأول، إلى تعزيز التعاون العسكري بين الدول الأربع، والجمع بين قدراتها وإمكاناتها في قطاع الصناعات الدفاعية.

وقالت وزارة الدفاع التركية في بيان صدر في 22 أكتوبر/تشرين الأول:

"تهدف هذه المذكرة إلى تنفيذ مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية، وزيادة أنشطة البحث والتطوير، وتعزيز البنية التحتية وسلاسل الإمداد، وتطوير قدرات الإنتاج المشترك، وإقامة شراكات استراتيجية طويلة الأمد ومستدامة بين دولنا".

وأضافت الوزارة:

"ويشكّل تحالف مكة الدفاعي ومذكرة تفاهم بدر دليلاً ملموساً على فاعلية بلادنا على الساحة الدولية وتعاونها الاستراتيجي. وستسهم المذكرة في تعزيز السلام والأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والعالمي".

وأبدت الدول المشاركة في تحالف بدر اهتماماً أيضاً بالمشاركة في مشروع المقاتلة التركية "قآن" (KAAN)، التي لا تزال قيد التطوير، وتُعدّ أول مقاتلة تركية محلية الصنع.

وكانت إندونيسيا وباكستان قد وقّعتا بالفعل مذكرات تفاهم مع تركيا بشأن هذا المشروع.

وتسعى تركيا من خلال هذا التحالف إلى مواصلة تطوير صناعاتها الدفاعية، وتعميق التعاون مع الدول المشاركة عبر الإنتاج المشترك وتنفيذ مشاريع تعاونية.