ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا: اختبار للعلاقات شرقي المتوسط

Published
مدة القراءة: 6 دقائق

أثار تصديق مجلس النواب الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا اعتراضات مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، وأعاد إلى الواجهة خلافًا إقليميًا مستمرًا منذ سنوات بشأن الحقوق البحرية واستكشاف موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.

ورفضت مصر الاتفاق، إذ وصفت وزارة الخارجية المصرية، في بيان صدر في 21 أكتوبر/تشرين الأول، مذكرة التفاهم بأنها "باطلة بطلانًا مطلقًا"، وجدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، الجمعة، خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان في إسطنبول، رفض مصر القاطع تصديق مجلس النواب الليبي على "مذكرة التفاهم"، بحسب بيان للخارجية المصرية.

وأكد عبد العاطي، في تصريحات إعلامية على هامش زيارته تركيا للمشاركة في اجتماعات الآلية الرباعية التي تضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، أن الاتفاقية "معدومة الأثر القانوني"، وأن تصديق مجلس النواب الليبي عليها لا يرتب أي آثار قانونية بالنسبة لمصر.

أما إسرائيل، فأدانت التصديق، وقالت وزارة خارجيتها إن الاتفاقية تمس الحقوق السيادية لحلفاء إسرائيل في المنطقة، متهمة تركيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار في شرق المتوسط.

والخطوة التي اتخذها البرلمان الليبي في 20 أكتوبر/تشرين الأول لا تقتصر أهميتها على النزاع البحري؛ فهي تمثل تحولًا في موقف السلطات المتمركزة في شرق ليبيا، التي سبق أن رفضت الاتفاقية ودعت إلى قطع العلاقات السياسية مع أنقرة، في وقت تشهد فيه العلاقات التركية المصرية تحسنًا، وتتكثف فيه الجهود الأمريكية والدولية للتوصل إلى تسوية للأزمة الليبية.

فما طبيعة الاتفاقية التي أثارت كل هذه الاعتراضات؟ ولماذا غيّر شرق ليبيا موقفه منها؟ وما تأثير ذلك على العلاقات بين القاهرة وأنقرة، وعلى مساعي توحيد المؤسسات الليبية وإجراء الانتخابات؟

ما هي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا؟

وقال عماد الدين حسين، عضو مجلس النواب المصري ورئيس تحرير جريدة الشروق، في حديث لبي بي سي، إن جوهر الاعتراض المصري هو أنه لا يمكن لدولتين في منطقة تضم أطرافًا متعددة، مثل شرق المتوسط، أن تقررا من خلال اتفاق ثنائي حقوق الدول الأخرى أو تنفيها.

وأضاف أن مصر لا تعترض على حق ليبيا في اتخاذ قراراتها، وإنما على ما تعتبره مساسًا بمصالحها البحرية، مشددًا على أن القاهرة تريد ضمان حقوقها، وليس على حساب المصالح المصرية.

وتتمسك مصر أيضًا باتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي وقعتها مع اليونان عام 2020، والتي تتداخل مطالبها البحرية مع ما ترسمه المذكرة التركية الليبية.

وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول، جدّد الاتحاد الأوروبي رفضه للاتفاقية، معتبرًا أنها تمس الحقوق السيادية لدول ثالثة ولا تتفق مع قانون البحار، وأنها لا يمكن أن تنتج آثارًا قانونية على تلك الدول. وأكد الاتحاد تضامنه مع اليونان وقبرص.

أما إسرائيل، فقد أدانت التصديق الليبي، وقالت وزارة خارجيتها إن الاتفاقية تمس الحقوق السيادية لحلفاء إسرائيل في المنطقة.

ولا تقتصر أهمية الموقف الإسرائيلي على النزاع البحري نفسه؛ فإسرائيل ترتبط بعلاقات وثيقة مع اليونان وقبرص، اللتين تعارضان الاتفاقية، كما تشهد علاقاتها مع تركيا توترًا على خلفية ملفات إقليمية، بينها الحرب في غزة.

في المقابل، دافعت أنقرة عن الاتفاقية. ويرى الباحث التركي في العلاقات الدولية مهند حافظ أوغلو أن المذكرة تستند إلى أسس قانونية، وأن الاعتراضات عليها ينبغي ألا تتحول إلى عقبة أمام تحسن العلاقات بين مصر وتركيا.

ويدعو حافظ أوغلو إلى معالجة الخلاف من خلال تفاهمات مباشرة بين القاهرة وأنقرة وطرابلس، عبر مناقشات قانونية وسياسية تبحث عن صيغة تراعي مصالح الأطراف المعنية.

لماذا غيّر شرق ليبيا موقفه؟

لا تكمن أهمية التصديق في الاتفاقية وحدها، بل في الجهة التي أقرّتها هذه المرة.

فعندما وقّعت حكومة الوفاق الوطني الاتفاقية مع تركيا عام 2019، كانت السلطات المتمركزة في شرق ليبيا على خلاف حاد مع حكومة طرابلس، وكانت أنقرة داعمًا رئيسيًا للأخيرة سياسيًا وعسكريًا.

وفي يناير/كانون الثاني 2020، رفض مجلس النواب الليبي الاتفاقية، وأصدر قرارًا آخر دعا إلى قطع العلاقات السياسية مع تركيا، في ظل تصاعد الصراع بين المعسكرين الليبيين.

لكن في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، صوّت المجلس بالإجماع على التصديق على المذكرة، وألغى القرارين السابقين، في تحول يعكس تغيرًا في العلاقات بين السلطات الشرقية وأنقرة.

وسبق ذلك تغيير في قيادة المجلس نفسه. ففي السادس من أكتوبر/تشرين الأول، انتخب النواب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسًا جديدًا للمجلس خلفًا لعقيلة صالح، الذي شغل المنصب لنحو 12 عامًا وعرف بقربه من مصر، في الوقت الذي ترأس العبيدي سابقا لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية.

في أبريل/نيسان 2025، زار صدام حفتر، نجل خليفة حفتر وقائد القوات البرية آنذاك في الجيش الوطني الليبي، العاصمة التركية أنقرة، والتقى مسؤولين عسكريين أتراكًا، بينهم وزير الدفاع يشار غولر وقائد القوات البرية التركية. وكانت الزيارة لافتة بالنظر إلى أن تركيا دعمت حكومة طرابلس عسكريًا في مواجهة قوات حفتر خلال حرب 2019-2020.

وفي أغسطس/آب من العام نفسه، زار رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين بنغازي، حيث التقى خليفة حفتر وأبناءه، بينهم صدام. وتزامنت الزيارة مع رسو فرقاطة تركية في ميناء بنغازي وعقد لقاءات بين مسؤولين عسكريين من الجانبين.

وتواصلت الاتصالات في أغسطس/آب 2026، عندما أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارة شملت طرابلس وبنغازي. والتقى في طرابلس رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ثم التقى في بنغازي خليفة حفتر وصدام حفتر ورئيس مجلس النواب آنذاك عقيلة صالح.

ويقول أحمد المهداوي، أستاذ العلوم السياسية والخبير في الشأن الليبي، إن العلاقات بين الدول والأطراف السياسية تتغير وفقًا للمصالح والظروف، وإن تصديق مجلس النواب على الاتفاقية قرار سيادي رأى المجلس أنه يحقق أهدافًا استراتيجية لليبيا.

ويضيف المهداوي أن ليبيا لا تحتاج إلى موافقة القاهرة أو أثينا لاتخاذ قراراتها، مستشهدًا بأن مصر وقّعت اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع اليونان عام 2020 من دون الرجوع إلى ليبيا.

هل يهدد الخلاف التقارب المصري التركي؟

يأتي التصديق الليبي في وقت تحسنت فيه العلاقات بين القاهرة وأنقرة بعد سنوات من التوتر، وتوسعت فيه الاتصالات السياسية بين البلدين بشأن ملفات إقليمية، من بينها ليبيا.

وفي مارس/آذار 2026، عقد البلدان جولة جديدة من المشاورات بشأن ليبيا، وأكدا أهمية دعم العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

لكن الخلاف حول الحدود البحرية يضع هذا التقارب أمام اختبار جديد: فمصر وتركيا قد تتفقان على ضرورة استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها، من دون أن تتفقا على كيفية توزيع الحقوق البحرية في شرق المتوسط.

وتتقاطع هذه الجهود مع تحرك أمريكي أوسع لدفع الأطراف الليبية نحو توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام. فقد كثّف مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، اتصالاته مع مسؤولين ليبيين وأطراف إقليمية لدعم مسار سياسي يقود إلى توحيد السلطة التنفيذية.

ومن أبرز التطورات في هذا المسار التوصل إلى اتفاق على ميزانية موحدة لعام 2026 في أبريل/نيسان، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، في خطوة استهدفت تعزيز التنسيق الاقتصادي بين المؤسسات في شرق البلاد وغربها.

لكن مبادرة بولس لا تقتصر على توحيد الإنفاق العام. فقد تحدثت تقارير صحفية عن تصور لتقاسم السلطة بين شخصيات من عائلتي الدبيبة وحفتر، يتضمن بقاء عبد الحميد الدبيبة رئيسًا للحكومة، وتولي صدام حفتر منصبًا قياديًا في السلطة التنفيذية الجديدة.

ولم يُعلن عن اتفاق نهائي بشأن هذا التصور، كما لم يحظَ بتأييد ليبي شامل. فقد واجه اعتراضات من المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة وأطراف سياسية أخرى، خشيت أن يؤدي التوصل إلى اتفاق خلف الأبواب المغلقة إلى تجاوز المؤسسات القائمة، وتثبيت نفوذ العائلات والقوى المسلحة بدلًا من التمهيد لانتخابات.

وفي المقابل، أبدت أطراف في معسكر حفتر تأييدًا للمبادرة، باعتبارها فرصة لتوحيد المؤسسات التنفيذية، بينما عارض عقيلة صالح ترتيبات رأى أنها تتجاوز دور مجلس النواب.

وفي سبتمبر/أيلول، شارك بولس ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان والمبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيته في اجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة دول من بينها مصر، لدعم جهود توحيد المؤسسات وتعزيز التنسيق الاقتصادي والأمني والتمهيد للانتخابات.

ويرى الباحث التركي مهند حافظ أوغلو أن الخلاف البحري ينبغي ألا يصبح عقبة أمام استمرار التقارب بين القاهرة وأنقرة، ويدعو إلى بحثه من خلال مشاورات مباشرة تضم مصر وتركيا وليبيا.

ويعتقد حافظ أوغلو أن اجتماعًا ثلاثيًا فنيًا وقانونيًا وسياسيًا قد يتيح البحث عن صيغة ترضي الأطراف المعنية. لكنه يرى أيضًا أن مصر قد تضطر في نهاية المطاف إلى قبول الاتفاقية بعد تعديلات، وهو تقدير يعكس وجهة نظره ولا يمثل اتفاقًا معلنًا بين الحكومات.

في المقابل، يحذر عماد الدين حسين من التعامل مع الخلاف باعتباره مسألة يمكن حلها بمجرد تحسن العلاقات السياسية، مؤكدًا أن القاهرة لن تتخلى عن مطالبها البحرية، وأن أي تفاهم يجب أن يضمن حقوق مصر كاملة.

وبذلك، قد يوفر التقارب المصري التركي قناة للحوار بشأن الخلاف، لكنه لا يعني أن القاهرة ستقبل بالاتفاقية بصيغتها الحالية، أو أن الخلاف البحري سيُحل تلقائيًا مع تحسن العلاقات السياسية.

لا تزال ليبيا منقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها وتحظى باعتراف دولي، وسلطات في الشرق تستند إلى مجلس النواب والحكومة المكلفة منه، في ظل النفوذ العسكري لخليفة حفتر.

وتتعثر منذ تأجيل الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول 2021 محاولات التوصل إلى تسوية تحدد قواعد الانتخابات وتوحد المؤسسات التنفيذية والأمنية. كما تتداخل في الأزمة مصالح قوى إقليمية ودولية تدعم أطرافًا مختلفة أو تسعى إلى التأثير في شكل التسوية المقبلة.

وفي أغسطس/آب 2026، شهدت مدينة الزاوية غرب البلاد سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة، وسط توتر بين جماعات مسلحة متنافسة. وأثارت الهجمات مخاوف من اتساع المواجهات وتأثيرها على منشآت النفط والبنية التحتية الحيوية.