"على دراجتي وجدت نفسي": شابة تقود التغيير من شوارع جدة

صدف، التي تستخدم اسم سام، ترتدي خوذة قيادة الدراجات النارية.
    • Author, هيفار حسن
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

في شوارع جدة، حيث تختلط حركة المرور بإيقاع مدينة تتغير ملامحها سريعاً، تشق شابة نشأت وترعرت في السعودية طريقها على دراجتها النارية.

بالنسبة إلى صدف محمد شريف (التي تُعرّف عن نفسها باسم "سام")، لم تكن الدراجة مجرد هواية أو وسيلة لقضاء وقت الفراغ، بل جزءاً من رحلة شخصية لاستعادة الثقة بالنفس والشعور بالاستقلال.

تقول الشابة، التي تصف نفسها بأنها شغوفة بالمغامرات منذ طفولتها، إن بدايتها مع الدراجات جاءت في مرحلة صعبة من حياتها، عندما كانت "بحاجة إلى الخروج، إلى التوازن، إلى استعادة نفسي".

امرأة تقود مركبة في أحد شوارع الرياض في 5 يوليو 2023. وكانت المملكة العربية السعودية قد بدأت السماح للنساء بالقيادة قبل سنوات، وتحديداً في 24 يونيو 2018، لتنهي بذلك الحظر الوحيد من نوعه في العالم على قيادة النساء للسيارات.

تأتي قصة سام في وقت تشهد خلاله حياة النساء في السعودية تغيرات اجتماعية واقتصادية متسارعة، بدأت تتسع ملامحها بشكل واضح خلال السنوات القليلة الماضية.

كان السماح للنساء بقيادة السيارات في يونيو/حزيران 2018 أحد أكثر التحولات رمزية في هذا المسار، بعد عقود من عدم السماح للمرأة في المملكة بقيادة السيارة.

وبين يونيو/حزيران 2018 ويناير/كانون الثاني 2020، أصدرت السلطات السعودية 174,624 رخصة قيادة للنساء، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء.

المألوف يتغير

امرأتان تقودان دراجتيهما الهوائية في سباق للدراجات الهوائية.
التعليق على الصورة، نساء يشاركن في سباق للدراجات الهوائية في جامعة الأميرة نورة، الرياض، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

تقول الحكومة السعودية إن هذا التحول يأتي في إطار "رؤية 2030"، التي جعلت زيادة مشاركة النساء في سوق العمل أحد أهدافها. وقد تجاوزت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل الهدف الأصلي للرؤية، البالغ 30 في المئة، ما دفع السلطات إلى رفع الهدف إلى 40 في المئة بحلول عام 2030.

لكن الأرقام الاقتصادية لا تروي وحدها قصة التغير الاجتماعي.

ففي الحياة اليومية، لا تزال بعض النساء يختبرن حدوداً جديدة لما هو مألوف اجتماعياً، سواء في العمل أو الرياضة أو التنقل أو ممارسة الهوايات التي كانت مرتبطة تقليدياً بالرجال.

وهنا تأتي تجربة سام.

صدف (سام) واثنتان من زميلاتها بملابس لقيادة الدراجات النارية.

"تغلبت على الخوف ثم جاء التوازن"

في البداية، كانت الشابة شأنها شأن كثير ممن يجربون قيادة الدراجة النارية للمرة الأولى، "خائفة ومتوترة" على حد وصفها، وتقول لبي بي سي نيوز عربي، إنها لم تكن تعرف حتى كيف تحافظ على توازنها فوق الدراجة الهوائية.

نصحها مدربها بأن تذهب وتتعلم قيادة الدراجة الهوائية أولاً، قبل أن تعود إلى التدريب على الدراجة النارية.

وبالفعل، تدربت سام على كيفية الحفاظ على توازن جسمها على الدراجة الهوائية قبل العودة إلى الدراجة النارية، وتغلبت على خوفها وأصبحت أكثر توازناً. كانت تلك الخطوة الصغيرة بالنسبة إليها، بداية تحول أكبر بحسب قولها.

ففي بدايتها، كان الشعور بأنها "الوحيدة" في محيطها حاضراً، كما أن رؤية امرأة تقود دراجة نارية لم يكن مشهداً مألوفاً في شوارع المملكة، لكنها قررت الاستمرار.

"سحر القوة والتحكم"

صورة لسام وهي تقف أمام دراجات نارية.
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

عندما تعود بذاكرتها نحو الوراء، وتحديداً إلى ما قبل خمس سنوات، تتذكر كيف كانت تنظر بإعجاب إلى سائقي الدراجات النارية لما يمثلون لها من قوة وثبات، كانت مفتونة بحجم الدراجات الكبيرة والملابس الواقية وطريقة سيطرة السائقين على آلة ثقيلة وسريعة.

وتقول: "أردت أن أكون مثلهم، قوية ومستقلة".

مع مرور الوقت، تحولت الرغبة إلى تدريب منتظم ثم إلى مهارة، أهّلتها لتصبح مدربة معتمدة في هذا المجال.

ثم أسست الشابة مع أخريات مجتمعاً نسائياً في جدة تحت اسم "موتو غيرلز" وروّجت لمجموعتها عبر منصات التواصل الاجتماعي لحث المزيد من النساء على ممارسة هذه الرياضة.

تنشر العضوات في مجموعة "موتو غيرلز"، مقاطع من رحلاتهن وتدريباتهن في صفحة المجموعة على إنستغرام، ويتبادلن النصائح مع شابات أخريات يرغبن في تعلم قيادة الدراجات النارية لكنهن لا يعرفن من أين يبدأن أو من أين يحصلن على المشورة.

بلغ عدد المجتمع النسائي الذي أسسته سام نحو 170 عضوة. وتقول: "لم نعد مجموعة صغيرة، بل أصبحنا شبكة ندعم فيها بعضنا البعض".

تجاوز عدد النساء اللواتي تلقين الدعم والمساعدة في تطوير وتحسين مهاراتهن في قيادة الدراجات النارية من خلال مجموعة "موتو غيرلز" 200 امرأة حتى الآن بحسب سام.

وتقول إن العديد من العضوات يتميزن بنشاطهن الكبير، ولا سيما في ممارسة القيادة بانتظام، حيث يخرجن بشكل دوري في معظم عطلات نهاية الأسبوع للقيادة والمشاركة في مجموعة متنوعة من الأنشطة والفعاليات من بينها "جولة بينك أكتوبر" و"جولة اليوم الوطني السعودي"، إلى جانب مجموعة واسعة من الفعاليات المجتمعية وفعاليات ركوب الدراجات النارية التي تُقام على مدار العام.

وتأمل سام في تأسيس مدرسة رسمية ومعترف بها قانونياً لتعليم قيادة الدراجات النارية في المستقبل، بما يتيح لها تقديم تعليم متخصص وفق الأطر والمعايير المعتمدة.

سام تقف أمام عدد من الدراجات النارية، حاملةً خوذتها.

من الاستثناء إلى المشهد اليومي

لا ترى سام نفسها حالة منفردة، بل جزءاً من جيل من النساء في السعودية اللواتي يجربن مساحات جديدة في الحياة العامة.

وتشير بيانات رسمية حديثة إلى اتساع مشاركة النساء السعوديات خارج الأدوار التقليدية في عدد من المجالات.

ففي عام 2024، حصلت 22 امرأة سعودية على براءات اختراع، فيما حصدت السعوديات 1,956 جائزة محلية ودولية في المجال الرياضي، وفق الهيئة العامة للإحصاء.

ولا تعني هذه الأرقام أن تجربة النساء واحدة في أنحاء المملكة، أو أن التحولات الاجتماعية حدثت بالسرعة نفسها في كل مكان، لكنها تعكس اتساع المجالات التي أصبحت المرأة السعودية حاضرة فيها، من سوق العمل والتعليم إلى الرياضة والأنشطة الترفيهية.

ثم إن اتساع مشاركة النساء لا يعني بالضرورة تحقُّق المساواة القانونية والاجتماعية. ففي تقريرها لعام 2026، تحذّر "هيومن رايتس ووتش" من أن الإصلاحات التي تُقدَّم بوصفها مؤشرات على التحديث تتزامن مع استمرار قيود قانونية، يكرّس بعضها نظام الأحوال الشخصية، على استقلالية النساء وحقوقهن في مسائل مثل الزواج والطلاق والحضانة.

سام على دراجتها النارية في الطريق.

بين القانون ونظرة المجتمع

من المهم التمييز هنا بين القيود القانونية والتقاليد الاجتماعية، إذ إن النساء في السعودية لم يكنَّ ممنوعات قانونياً من قيادة الدراجات النارية بالطريقة نفسها التي كانت تحظر عليهن قيادة السيارات.

ففي عام 2017، أوضحت وكالة الأنباء السعودية أن السماح للنساء بالقيادة يشمل الدراجات الآلية، وأن أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية تنطبق على النساء والرجال على حد سواء.

لكن وجود الحق القانوني "لا يعني بالضرورة أن ممارسة النشاط تصبح مألوفة اجتماعياً بين ليلة وضحاها"، وهذا هو أحد التحديات التي تصفها سام.

فتقبُّل رؤية النساء على الدراجات النارية، كما تقول، ليس متساوياً في كل مكان، كما تختلف ردود الفعل من شخص إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى.

لكن الاتجاه العام من وجهة نظرها، أصبح أكثر إيجابية، كما بات الدعم الذي تحصل عليه النساء اليوم أكبر مما كان عليه قبل سنوات.

وترى سام أن دعم شخصيات رياضية معروفة ساهم في توسيع حضور النساء في هذا المجال.

"لم أهتم بالتعليقات السلبية"

كانت إحدى أكبر العقبات أمام النساء في هذا المجال هو غياب البيئة المألوفة التي تساعدهن على البدء.

وتقول سام إن التدريب والمعدات الواقية يمكن أن يكونا مكلفين بالنسبة للبعض، كما أن المرأة التي تدخل مجالاً يهيمن عليه الرجال تقليدياً، قد تجد نفسها مضطرة إلى إثبات قدرتها أكثر من مرة، لكنها "لم تسمح للتعليقات السلبية بأن تحدد خياراتها".

كان هدفها، أن تتعلم القيادة بطريقة صحيحة وآمنة وتبني ثقتها بنفسها من خلال الممارسة المستمرة.

وتقول إن والدتها قبل وفاتها، كانت من أكبر الداعمين لها: "كانت فخورة بي وتدفعني إلى أن أكون امرأة مستقلة تعتمد على نفسها في أمور حياتها".

أما عن إخوتها، فتقول إنهم رفضوا الفكرة في البداية، لكن موقفهم تغيّر لاحقاً، بل وبدأت بتدريب شقيقها أيضاً.

وتدرك سام أن التجارب الفردية كتجربتها، قد تصبح مع الوقت جزءاً من تغيّر أكبر في نظرة المرأة إلى نفسها وموقعها في المجتمع، مؤكدة أن رحلتها لا تزال مستمرة، وأنها لن تكتفي بالتدريب فحسب، بل تسعى إلى تطوير مهاراتها للمشاركة في مسابقات الدراجات النارية وللحصول على مزيد من الدعم المؤسسي لرياضة النساء.

"الدراجة ليست مجرد وسيلة، بل إحساس بالحرية... إنها قصة أكتبها كل يوم وهي الطريق إلى ذاتي".

وبينما تتسع مشاركة النساء في السعودية في مجالات كانت أقل حضوراً فيها، تتحول تجارب فردية كهذه تدريجياً من استثناء لافت إلى جزء من مشهد اجتماعي آخذ في التغير.

التعليق على الفيديو، النساء في الملاعب السعودية "يوم الفرح والمتعة"