ما صحة اتهام المهاجرين والأجانب بالوقوف وراء أعمال الشغب في فرنسا؟

صورة لشبان يتحلقون في مجموعات وهم يراقبون نيرانا تشتعل في إحدى السيارات بأحد الشوارع بنما غطى الدخان المكان وبدت مخلفات المواجهات بينهم وبين الشرطة متناثرة على الأرض
التعليق على الصورة، احتجاجات باريس تحولت السبت الماضي إلى أعمال عنف ونهب على نطاق واسع
Published
مدة القراءة: 4 دقائق

تجتاح فرنسا منذ حوالي الأسبوعين موجة احتجاجات عارمة تحولت إلى أعمال شغب وتخريب واسعة النطاق طالت عدة مدن كبرى. وبرزت نقاشات حادة حول الهوية الحقيقية لمن يقفون وراء هذه الأحداث. وعلى الفور سارعت أحزاب اليمين القومي المتطرف داخل فرنسا وخارجها إلى تحميل الحكومة والمهاجرين والمقيمين من أصول أجنبية المسؤولية الكاملة عن الأزمة.

وربط اليميني المتطرف جوردان بارديلا زعيم حزب التجمع الوطني الفرنسي، الاحتجاجات بمشكلات الهجرة والأمن، واعتبرها دليلا على فشل السياسات الحكومية الحالية. وعزا جانبا كبيرا من العنف والفوضى التي شهدتها الاحتجاجات إلى عدم اندماج مجموعات من المهاجرين في النسيج الاجتماعي الفرنسي وتفاقم حالة الانفصال الاجتماعي في الأحياء المهمشة.

وانتقد بارديلا حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون ووصف سياساتها بأنها يسارية فشلت في ضبط الحدود، وإدارة الهجرة، والسيطرة على الانفلات الأمني. وطالب بارديلا باعتماد إجراءات وسياسات أكثر صرامة إزاء الهجرة واللجوء، وحماية السكان المحليين من الفرنسيين في المناطق المتأثرة بالاحتجاجات وأعمال الشغب. وفي تصريحات صحفية دعا بارديلا الرئيس ماكرون إلى الاعتذار والاستقالة، متهماً الحكومة بالفشل في حماية المواطنين والنظام العام والتساهل تجاه الجريمة والاندماج.

ورغم إقرار بارديلا بأحقية المطالب الاجتماعية المشروعة لدى فئة من المحتجين، إلا أنه ظل يربط بين مظاهر العنف وفشل سياسات الاندماج والهجرة، مستهدفا بذلك الخطاب القاعدة الانتخابية للتيار اليميني المتطرف التي تضع الأمن والهوية الوطنية والتركيز على مصالح السكان المحليين على رأس أولوياتها التقليدية. واستخدم بارديلا هذه الأحداث لتعزيز موقع حزبه كقوة بديلة قادرة على استعادة الأمن والنظام، وهو الخطاب الذي تبناه الحزب بشكل مكثف وهو يستعد لخوض غمار الانتخابات الرئاسية المنتظرة في العام القادم.

ويستند خطاب بارديلا إلى اعتبار المتظاهرين فئات من المهاجرين والأجانب الجدد فشلوا في الاندماج في المجتمع الفرنسي يحركهم عداء ثقافي للغرب ولا يحملون قيم الجمهورية الفرنسية.

تلت سردية اليمين المتطرف الفرنسي هذه وربط الجريمة والتخريب بملف الهجرة والحدود، تصريحات أدلى بها أقطاب من الحزب الجمهوري الأمريكي وحركة "ماغا"، على رأسهم الرئيس دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس، اللذين وصفا المشاهد المأساوية لحرق بعض المقار الحكومية بـأنها دليل على "فشل سياسات الاندماج والتعايش الثقافي".

وحث الرئيس ترامب فرنسا على إغلاق حدودها. وقال عبر منصته تروث سوشال إن "فرنسا تحترق وهجرة أناس قادمين من عالم مختلف تماما يحملون الكراهية في قلوبهم مزقت ذلك البلد الذي كان عظيما يوما ما". وأضاف: "أغلقوا حدودكم وأحكموا السيطرة قبل فوات الأوان".

وخلال فعالية انتخابية مساء السبت في ولاية كنتاكي الأمريكية قال ترامب ساخرا أمام جمهور من أنصاره إن الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تعد دليلا على هجرة "خارجة عن السيطرة" وما أسماه محاولة من الإسلام "للسيطرة" على البلاد.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

غير أن الوقائع الرسمية تفند هذا الربط القسري بين الاحتجاجات وعامل الهجرة. فقد أكدت السلطات والشرطة الفرنسية رسميا عدم وجود صلة مباشرة للمهاجرين بالأعمال التخريبية. بل أن رئيس الوزراء سيباستيان ليتشورنو ووزير الداخلية لوران نونيز وجها أصابع الاتهام لـ "عناصر تخريبية تنتمي إلى مجموعات أقصى اليسار الراديكالي مدعومة بمجرمين ومنحرفين" استغلوا احتجاج مواطنين فرنسيين وطلاب ونقابات عمالية ومنظمات مجتمع مدني على نقص إمكانيات المدارس وغلاء المعيشة للقيام بأعمال النهب والشغب وإضرام الحرائق في المباني والسيارات.

ويعتبر مراقبون أن احتجاجات خريف عام 2026 في فرنسا لم تكتس طابعا عِرقيا ولم تحمل مطالب اجتماعية مرتبطة بالهجرة تحديدا، بل تفجرت كحركة مطلبية طلابية مشروعة تحتج على تدهور البنى التحتية للمدارس وغياب المكيفات صيفا وشتاء داخل الفصول ونقص المعلمين.

ويرى هؤلاء أن ما حدث هو أنه بعد أيام من انطلاق حركة الاحتجاج، اتسعت رقعة الغضب وركبته النقابات العمالية والشرائح المجتمعية المتضررة من الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، في وقت لجأت فيه الحكومة إلى تقليص الإنفاق العام وتجميد رواتب موظفي الخدمة المدنية لخفض العجز في الميزانية. فاكتظت الشوارع بأعداد المتظاهرين وتجاوزت أعدادهم نصف مليون شخص وشكلوا حركة وطنية عريضة ذات دوافع اقتصادية واجتماعية بحتة، شملت فرنسيين من كافة الأصول والخلفيات الثقافية.

ثمة حقائق قانونية واجتماعية جوهرية كشف عنها محللون وهو يحاولون تفكيك الخلفية الاجتماعية لبعض الشبان الذين ينخرطون في أعمال العنف بالضواحي الهامشية للمدن الفرنسية الكبرى.

يقول هؤلاء إن المحتجين ليسوا أجانب ولا هم مهاجرون بالمعنى القانوني، بل أن الغالبية العظمى منهم مواطنون فرنسيون من الجيل الثاني والثالث، ولدوا وتلقوا تعليمهم في المدارس الفرنسية. وتفيد إحصائيات فرنسية رسمية بأن القاطنين في الأحياء الهامشية للمدن الفرنسية يعانون من تهميش هيكلي، ناتج عن ضعف الاستثمارات الرسمية، ونقص فرص العمل الحقيقية ومن التمييز اليومي.

يرى كثيرون أن تحميل "المهاجرين" وزر الأحداث يمثل هروبا سياسيا من مواجهة أزمة نظام تعليمي واجتماعي فشل في تحقيق وعوده بالارتقاء الاجتماعي والعدالة المجتمعية لأبنائه. ويعتبر هؤلاء أن ما تواجهه فرنسا اليوم هو انفجار ناتج عن تراكمات اقتصادية، وأزمة خانقة في قطاع التعليم العام، مصحوبة بضعف القدرة الشرائية؛ وهي قضايا بنيوية تتطلب حلولا تنموية واجتماعية شاملة لا سرديات الانقسام وإلقاء اللوم على الفئات المستضعفة.

برأيكم

  • ما صحة اتهام المهاجرين والأجانب بالوقوف وراء أعمال الشغب في فرنسا؟
  • ما طبيعة مطالب الاحتجاجات الأخيرة وهل للهجرة وعدم الاندماج علاقة بها؟
  • هل تتأثر العلاقة بين مكونات المجتمع الفرنسي بربط الاحتجاجات بالمهاجرين والأجانب؟
  • ما مدى مصداقية سردية اليمين المتطرف في تفسير هذه الاحتجاجات؟
  • هل تتأثر نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا بسردية اليمين المتطرف؟

نناقش معكم هذه المحاور وغيرها في حلقة الأربعاء 21 أكتوبر/تشرين الأول.

خطوط الاتصال تُفتح قبل نصف ساعة من موعد البرنامج على الرقم 00442038752989.

إن كنتم تريدون المشاركة بالصوت والصورة عبر تقنية زووم، أو برسالة نصية، يرجى التواصل عبر رقم البرنامج على واتساب: 00447590001533

يمكنكم أيضاً إرسال أرقام الهواتف إلى صفحتنا على الفيسبوك من خلال رسالة خاصة Message

كما يمكنكم المشاركة بالرأي في الحوارات المنشورة على نفس الصفحة، وعنوانها: https://www.facebook.com/NuqtatHewarBBC

أو عبر منصة إكس على الوسم @Nuqtat_Hewar

يمكنكم مشاهدة حلقات البرنامج من خلال هذا الرابط على موقع يوتيوب هنا.