تحالف مكة في خمسة أسئلة

صدر الصورة، Anadolu via Getty Images
- Author, بي بي سي التركية
- Reporting from, أنقرة
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
أقرّ البرلمان التركي، في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني، اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تجمع تركيا والسعودية وباكستان في تحالف عسكري. وبهذه الخطوة، تكون الدول الثلاث قد استكملت إجراءات المصادقة الداخلية اللازمة لدخول الاتفاقية حيّز التنفيذ.
وبمجرد أن تقدّم الأطراف وثائق المصادقة إلى اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية، ستدخل الاتفاقية، وبالتالي التحالف نفسه، حيّز التنفيذ رسمياً.
وتضع الاتفاقية تركيا ضمن تحالف عسكري جديد خارج إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وبموجب الاتفاقية، يُعدّ أي هجوم تشنّه جهة خارجية على أيّ من الدول الثلاث هجوماً على جميع أعضاء التحالف، ما يُلزم الأطراف بتقديم الدعم العسكري بعضها لبعض.
وفي خمسة أسئلة، نستعرض تحالف مكة والاعتراضات التي أثارتها أحزاب المعارضة التركية بشأنه.
لماذا انضمت تركيا إلى تحالف مكة؟
لطالما دافعت تركيا عن مبدأ "الملكية الإقليمية"، انطلاقاً من قناعتها بأن المشكلات الإقليمية ينبغي حلّها من خلال مبادرات تقودها دول المنطقة نفسها.
وترى أنقرة أن إخفاق دول المنطقة في معالجة مشكلاتها يفتح الباب أمام تدخّل قوى خارجية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم الأوضاع.
وخلال المناقشات البرلمانية بشأن الاتفاقية، لخّص نائب وزير الخارجية التركي، ليفنت غومروكجو، النهج الذي تتبعه بلاده بالقول: "في وقت تزداد فيه المشكلات في منطقتنا تعقيداً، اختارت الدول الثلاث الموقّعة عدم انتظار حلول من الخارج. وبدلاً من ذلك، تحمّلت مسؤولياتها بنفسها، واتخذت الخطوة الأولى نحو بناء منظومة أمنية إقليمية قائمة على التعاون والدفاع الجماعي، مع إرساء الأساس القانوني للإطار المؤسسي الذي سيدعمها".
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وتتمثّل أهداف تركيا على المديين المتوسط والطويل في توسيع تحالف مكة، الذي يضم في مرحلته الأولى ثلاث دول، عبر انضمام دول أخرى إليه بمرور الوقت، بما يسهم في إنشاء منظومة أمنية جديدة في الشرق الأوسط.
وإلى جانب تحالف مكة، تشارك تركيا أيضاً في تحالف بدر، الذي يضم باكستان وقطر وإندونيسيا. وتسعى أنقرة، من خلال هذه المبادرات، إلى الاضطلاع بدور قيادي وتأسيسي في الآليات الأمنية الإقليمية الناشئة.
وبعد إنشاء قواعد عسكرية في قطر والصومال وليبيا، تفيد تقارير بأن تركيا تدرس أيضاً إنشاء قاعدة عسكرية في السعودية، في إطار مساعيها لتصبح طرفاً رئيسياً في المنظومة الأمنية المتغيّرة في المنطقة.
ويُنظر إلى منع نشوء فراغ أمني في المنطقة، ولا سيما من خلال التعاون مع دول الخليج، باعتباره هدفاً استراتيجياً آخر لتركيا، في حال انسحبت الولايات المتحدة بالكامل من الشرق الأوسط في المستقبل.
ويُقال إن التطورات الأخيرة، بما فيها الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط، وتداعياتها في مضيق هرمز، والاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر نتيجة هجمات الحوثيين، فضلاً عن التداعيات الإقليمية الأوسع للصراع بين إسرائيل وحماس، قد سرّعت الجهود الرامية إلى إنشاء تحالف مكة.
ما أبرز بنود تحالف مكة؟
تتألف الاتفاقية التي أقرّها البرلمان التركي من 16 مادة، وتحدّد المادتان الأولى والثانية أهدافها الأساسية.
وتنص المادة الأولى على أنه "في حال تعرّض السلامة الإقليمية أو السيادة أو الحدود المعترف بها دولياً لأي من الأطراف للتهديد أو الخطر، يتعيّن على الأطراف استخدام جميع الوسائل اللازمة لإزالة هذه التهديدات أو الأخطار".
أما المادة الثانية، التي تشبه المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فتنص على أن "أي هجوم مسلّح مصدره جهة خارجية ضد أي من الأطراف يُعدّ هجوماً على جميع الأطراف".
وتتضمّن الاتفاقية أيضاً بنوداً تنص على:
- تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية.
- إجراء مشاورات منتظمة بشأن القضايا الأمنية والمسائل ذات الصلة.
- تنظيم تدريبات عسكرية وعمليات انتشار للقوات، لضمان قابلية العمل المشترك بين القوات المسلحة للدول الأعضاء.
- التعاون في مكافحة الإرهاب.
واتفقت الدول الثلاث أيضاً على إنشاء أمانة عامة دائمة للتحالف في السعودية، برئاسة جنرال باكستاني.
وستتولى اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية مهمة الهيئة الرئيسية لصنع القرار في التحالف.
وتتيح الاتفاقية انضمام دول أخرى إلى التحالف مستقبلاً، على أن تتخذ الدول الثلاث المؤسسة القرارات المتعلقة بتوسيعه. وتفيد تقارير بأن عدة دول أعربت بالفعل عن اهتمامها بالانضمام إليه.
وبحسب التقارير، تتفق تركيا والسعودية وباكستان على ضرورة عدم النظر في انضمام أعضاء جدد إلا بعد استكمال إنشاء الإطار المؤسسي للتحالف.
ووفقاً لنص الاتفاقية، تظل اتفاقية مكة للدفاع المشترك سارية المفعول لمدة غير محددة. ومع ذلك، يجوز لأي طرف الانسحاب منها بعد مرور عشر سنوات على دخولها حيّز التنفيذ.
هل سترسل تركيا قوات عسكرية إلى السعودية؟
أعلنت تركيا وباكستان والسعودية تأسيس تحالف مكة في السابع من أغسطس/آب.
وبعد أيام، أدّى تصاعد هجمات الحوثيين المتمركزين في اليمن ضد السعودية، ولا سيما تلك التي استهدفت منشآت الطاقة الحيوية والبنية التحتية المدنية، إلى توجيه الأنظار نحو تركيا وباكستان.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، اتفقت اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية على "اتخاذ إجراءات فورية لتنفيذ التزامات الدفاع الجماعي على أرض الواقع، وتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، وضمان انتشارها السريع في المملكة".
وتشير التصريحات الصادرة عن أنقرة إلى أن أي دعم يُقدَّم للسعودية سيكون ذا طبيعة دفاعية بحتة، من دون وجود خطط لشنّ عمليات أو تنفيذ تحركات عسكرية ضد الحوثيين.
ومن المتوقع أن تسعى الحكومة التركية إلى الحصول على موافقة البرلمان قبل تقديم أي دعم عسكري.
وتشير تصريحات سابقة صادرة عن أنقرة إلى أن المساعدات المخطط لها قد تشمل:
- تقديم الدعم في مجال الدفاع الجوي.
- تبادل المعلومات الاستخباراتية.
- تقديم المساعدات اللوجستية.
- توفير الدعم الفني في مجالات أخرى.
ومن المتوقع أن تتحرك تركيا وفقاً للمشاورات والطلبات المقدّمة من السعودية، في إطار المادة 92 من الدستور التركي.
وتنظّم هذه المادة إعلان الحرب ونشر القوات المسلحة التركية خارج البلاد، فضلاً عن السماح بتمركز قوات أجنبية على الأراضي التركية.
وبموجب المادة 92، تعود إلى البرلمان صلاحية إعلان الحرب، وإرسال قوات تركية إلى الخارج في الحالات التي يُقرّ القانون الدولي بمشروعيتها، والسماح بوجود قوات أجنبية داخل تركيا.
ما موقف الحكومة والمعارضة في تركيا من التحالف؟
حظيت الاتفاقية بموافقة الأحزاب التالية:
- حزب العدالة والتنمية (AKP).
- حزب الحركة القومية (MHP).
- حزب الشعب الجمهوري (CHP).
في المقابل، صوّتت الأحزاب التالية ضد الاتفاقية:
- الحزب الجديد.
- حزب الجيد.
- حزب الرفاه من جديد.
- حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM).
- حزب السعادة.
وترى الحكومة التركية أن التحالف ضروري لتحقيق:
- الاستقرار الإقليمي.
- الردع الجماعي.
- الدفاع المشروع عن النفس.
ويصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومسؤولون حكوميون التحالف بأنه "تجسيد للسلام والاستقرار".
ويؤكدون أن التحالف ذو طابع دفاعي بالكامل، ويستند إلى حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وتشدّد الحكومة أيضاً على أن الاتفاقية لا تستهدف أي دولة بعينها، وأن باب الانضمام إليها يظل مفتوحاً أمام الدول الأخرى الصديقة والشقيقة في المنطقة.
انتقادات المعارضة
"بدأ تنفيذ الاتفاقية قبل المصادقة عليها"
تتمثل إحدى أبرز انتقادات المعارضة في أن تنفيذ الاتفاقية بدأ قبل حصولها على موافقة البرلمان.
وتقول أحزاب المعارضة إن اجتماعات عدة عُقدت، واتُّخذت قرارات بشأن تقديم دعم عسكري للسعودية بعد توقيع الاتفاقية في السابع من أغسطس/آب، ما يجعل هذه الإجراءات مخالفة للدستور.
المخاطر الأمنية
تساءلت شخصيات معارضة عن الاحتياجات الدفاعية المحددة التي تسعى تركيا إلى تلبيتها من خلال الانضمام إلى التحالف.
وترى المعارضة أن تركيا باتت معرّضة لخطر الانخراط في الصراعات والأزمات التي تواجهها باكستان والسعودية، وأن الاتفاقية قد تؤدي إلى تشكيل تكتلات عسكرية جديدة بدلاً من تحقيق الاستقرار الإقليمي.
وبحسب منتقدي الاتفاقية، قد تجد تركيا نفسها مضطرة إلى تحمّل تكاليف سياسية وعسكرية واقتصادية ناجمة عن صراعات دول أخرى.
كما يرون أن الحكومة لم تقدّم تفسيراً مقنعاً للمزايا الأمنية التي يوفرها التحالف، بما يتجاوز مظلة الدفاع الجماعي التي يوفّرها حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالفعل.
وحذّرت بعض الشخصيات المعارضة أيضاً من أن تصريحات الحوثيين، التي تصنّف بالفعل الدول الأعضاء في تحالف مكة باعتبارها تهديدات، قد تزيد المخاطر التي تواجه الوجود العسكري التركي في الصومال.
تقييم التهديدات
وتشير المعارضة أيضاً إلى أن تركيا وباكستان والسعودية تقع في مناطق جغرافية مختلفة، وتواجه تحديات أمنية متباينة.
وتقول إن التحالفات الدفاعية تُنشأ عادةً لمواجهة تهديد محدّد بوضوح، في حين لا يتضمّن إطار تحالف مكة تعريفاً لتهديد بعينه.
"التهديد الإرهابي"
تتمثل إحدى المخاوف الأخرى في كيفية تنفيذ التعاون في مجال مكافحة الإرهاب.
ويشير ممثلو المعارضة إلى أن الدول الثلاث تعتمد تعريفات مختلفة للإرهاب، ولديها قوائم مختلفة للتنظيمات الإرهابية.
ويرون أن هناك نقصاً في الشفافية بشأن الآليات التي سيُنفّذ من خلالها هذا التعاون على أرض الواقع.
الصراع في اليمن
ركّزت شخصيات معارضة عديدة على طبيعة الدعم العسكري المحتمل للسعودية والمخاطر المرتبطة به.
ويرى بعض المعارضين أن الهدف الحقيقي من الاتفاقية هو المساعدة في القضاء على نفوذ الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، معتبرين أن ذلك يتماشى فعلياً مع الجهود الأمريكية الرامية إلى ضمان أمن السعودية وإسرائيل.
وقال أوزغور أوزيل، زعيم الحزب الجديد، وهو حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، إن "حزبه لن يلتزم الصمت أبداً، ولن يدعم مطلقاً تحويل تركيا إلى طرف في الحرب أو إرسال الجنود الأتراك إلى صحارى اليمن".
من جانبه، قال زعيم حزب الجيد، موساوات درويش أوغلو: "نقول لا لتحويل الجندي التركي إلى مرتزق لدى أرامكو، ونقول لا لاتفاقية مكة".
الالتزامات تجاه حلف الناتو
تتمثل إحدى المخاوف الرئيسية الأخرى في احتمال تعارض مشاركة تركيا في تحالف مكة مع التزاماتها وأولوياتها ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ويشير ممثلو المعارضة إلى أن تركيا تتحمّل مسؤوليات كبيرة باعتبارها ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، الذي انضمت إليه عام 1952.
كما يرون أن الأزمات الدولية التي قد تكون الدول الأعضاء في تحالف مكة طرفاً فيها يمكن أن تؤثر سلباً على موقع أنقرة داخل حلف الناتو.
هل يمكن أن تؤثر عضوية تركيا في تحالف مكة على علاقاتها مع الغرب؟
تكتسب عضوية تركيا في تحالف مكة أهمية باعتبارها دليلاً ملموساً على توسّع تعاونها الدفاعي والأمني مع دول الشرق الأوسط والخليج.
وتشير التصريحات الحكومية إلى أن علاقات تركيا وتحالفاتها مع هذه الدول لن تتسبب في مشكلات مع الغرب، رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو). بل على العكس، ترى أنقرة أنه ينبغي النظر إلى هذه التحالفات بإيجابية، باعتبارها جهوداً لإنشاء آليات إقليمية جديدة.
ويستشهد المسؤولون الأتراك أيضاً بالاجتماع الأول الذي عُقد في إسطنبول في 23 أكتوبر/تشرين الأول، بين مجموعة "الرباعية الإقليمية" (R4)، التي تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان، ومجموعة "E3" التي تضم المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، باعتباره دليلاً على تنامي أهمية تركيا الإقليمية.





























