حين أرسل عبد الناصر الجيش المصري إلى اليمن لمواجهة قوات تدعمها السعودية

    • Author, محمد همدر
    • Role, بي بي سي عربي - بيروت
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجلس النواب إلى منحه تفويضاً يتيح التدخل عسكرياً للدفاع عن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، إذا طلبت الرياض ذلك.

وقال السيسي إن مصر "لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي تهديد لأمن السعودية"، مشدداً على أن أي تدخل عسكري مصري سيكون "دفاعياً وليس هجومياً".

وأعلن مجلس الدفاع الوطني المصري موافقته على تقديم "كافة أشكال الدعم" للسعودية، فيما أرجأ مجلس النواب، التصويت على التفويض إلى الأسبوع المقبل، بعد عقد جلستين مغلقتين لمناقشة الطلب.

وقد انخرطت مصر سابقا في حرب اليمن إبان حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لكن ربما تختلف طبيعة التدخل وأهدافه عبر العقود.

ففي عام 2015، شاركت مصر في التحالف العسكري بقيادة السعودية، الذي تدخل في اليمن دعماً للحكومة المعترف بها دولياً في مواجهة الحوثيين، من خلال قوات جوية وبحرية، من بينها وحدات ساهمت في تأمين الملاحة في البحر الأحمر.

لكن التدخل العسكري المصري الأوسع في اليمن يعود إلى عام 1962، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، عندما أرسلت القاهرة قوات برية للقتال إلى جانب الجمهوريين اليمنيين، في أعقاب انقلاب عسكري أطاح بحكم الإمام محمد البدر حميد الدين، آخر حكام المملكة المتوكلية اليمنية، التي كانت تحكم شمال اليمن آنذاك.

وتحولت الحرب الأهلية في اليمن إلى صراع إقليمي، وقفت فيه مصر والسعودية على طرفي نقيض، واستمر سنوات، واستنزف موارد البلدين، ولا سيما مصر التي وصل عدد جنودها المشاركين في الحرب إلى عشرات الآلاف.

غير أن التدخل الذي يطرحه السيسي اليوم يختلف في طبيعته وأهدافه المعلنة عن تجربة الستينيات. ولم تتضح بعد طبيعة المهمة العسكرية المحتملة أو حجمها، وما إذا كانت ستقتصر على عمليات الدفاع الجوي والبحري، أم ستشمل نشر قوات برية.

فكيف بدأت تجربة الجيش المصري في اليمن عام 1962، وما الذي دفع عبد الناصر إلى خوض تلك الحرب، وما أبرز تداعياتها؟

ثورة 26 سبتمبر

بدأ حكم المملكة المتوكلية اليمنية عام 1918، بعد انسحاب القوات العثمانية من شمال اليمن، واستمر حتى عام 1962.

وشهدت المملكة خلال تلك الفترة محاولات عدة للإطاحة بحكم أسرة حميد الدين، أبرزها انقلاب عام 1948، الذي انتهى باغتيال الإمام يحيى حميد الدين، قبل أن ينجح ابنه أحمد في استعادة الحكم إثر حملة عسكرية مضادة.

وفي عام 1955، قاد المقدم أحمد يحيى الثلايا، الذي كان يتولى منصباً قيادياً في الجيش بمدينة تعز، انقلاباً عسكرياً ضد الإمام أحمد حميد الدين، لكنه فشل بعد أيام قليلة، وانتهى بإعدام الثلايا.

وبعد سبع سنوات، نجح تنظيم "الضباط الأحرار" اليمني، الذي استلهم تجربة الضباط الأحرار في مصر، في الإطاحة بحكم الإمام محمد البدر، نجل الإمام أحمد، في 26 سبتمبر/أيلول 1962.

وأُعلن قيام الجمهورية العربية اليمنية في شمالي اليمن، وتولى قائد الانقلاب عبد الله السلال، الذي كان يقود الحرس الخاص بالإمام، منصب أول رئيس للجمهورية.

وكان جنوب اليمن آنذاك خاضعاً للنفوذ البريطاني، إذ كانت عدن مستعمرة بريطانية، وخضعت مناطق أخرى في الجنوب للحماية البريطانية. وكانت العلاقات بين بريطانيا ومصر بقيادة جمال عبد الناصر شديدة التوتر، خصوصاً بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وبعد أيام من الانقلاب، أرسلت مصر قواتها إلى اليمن لمساندة الجمهوريين، وتثبيت النظام الجديد، في مواجهة أنصار الإمام محمد البدر، الذين سعوا إلى استعادة الحكم.

في المقابل، دعمت السعودية، بقيادة الملك سعود آنذاك، الملكيين بالمال والسلاح، ليتحول الصراع إلى حرب أهلية استمرت سنوات، ووضعت مصر والسعودية على طرفي نقيض.

وزادت مصر عدد قواتها في اليمن على مراحل بين عامي 1962 و1967. وتتفاوت التقديرات بشأن عدد الجنود المصريين الذين شاركوا في الحرب، لكن بعض المراجع تشير إلى أن عددهم وصل في إحدى المراحل إلى نحو 70 ألف عسكري.

ومن المفارقات أن إيران، التي تدعم اليوم الحوثيين في مواجهة السعودية، كانت في عهد الشاه تقدم دعماً للملكيين اليمنيين المتحالفين مع الرياض ضد الجمهوريين.

ولم يقتصر الدور المصري آنذاك على دعم الجمهوريين في شمال اليمن، بل امتد إلى مساندة الثوار ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب، فيما عُرف بـ"ثورة 14 أكتوبر"، التي اندلعت عام 1963 بهدف إنهاء الوجود البريطاني.

وفي أبريل/نيسان 1964، زار الرئيس جمال عبد الناصر اليمن، وانتقل من صنعاء إلى تعز القريبة من الجنوب، حيث ألقى خطاباً أمام حشود استقبلته، دعا فيه إلى إنهاء الوجود البريطاني في جنوب اليمن، وأعلن دعمه لثورة التحرير.

الانسحاب من اليمن

تركت هزيمة مصر في حرب يونيو/حزيران 1967، المعروفة بالنكسة، أثراً كبيراً على الجيش المصري، ودفعت القاهرة إلى سحب قواتها تدريجياً من اليمن، حتى اكتمل انسحابها بنهاية العام نفسه.

وشكّل نجاح الجمهوريين في فك الحصار الذي فرضته القوات الملكية على صنعاء، في فبراير/شباط 1968، نقطة تحول في مسار الحرب، التي انتهت بتسوية سياسية عام 1970، كرّست الحكم الجمهوري في شمال اليمن.

أما في جنوب اليمن، فقد أنهت بريطانيا وجودها الاستعماري في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1967، بعد سنوات من الصراع المسلح ضدها.

لكن التدخل العسكري في اليمن كلّف الجيش المصري خسائر بشرية كبيرة، وتتفاوت التقديرات بشأن عدد القتلى والجرحى خلال سنوات الحرب.

وفي تسجيل صوتي منسوب إلى اجتماع عقده الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970، ونُشرت نسخة منه على موقع يحمل اسم "الدفاع العربي"، استعرض وزير الحربية المصري آنذاك، الفريق أول محمد فوزي، خسائر الجيش المصري في حرب اليمن بين عامي 1962 و1967.

وبحسب التسجيل، ذكر فوزي أن 3170 ضابطاً وجندياً قتلوا خلال الحرب، وأصيب 10686 آخرين من مختلف الرتب العسكرية.

ويرى بعض المؤرخين والمحللين أن استنزاف القوات المصرية في حرب اليمن كان أحد العوامل التي أثّرت على جاهزية الجيش المصري قبل حرب يونيو/حزيران 1967، وأسهمت في هزيمته أمام إسرائيل، وإن كان حجم هذا التأثير لا يزال موضع نقاش بين الباحثين.

وليس واضحاً شكل وحجم الدعم العسكري الذي ستقدمه مصر إلى السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين.

لكن بي بي سي عربي تحدثت إلى خبراء أجمعوا على عدم احتمال إعادة التجربة المصرية القديمة في اليمن، أو إرسال قوات إلى أراضيها.

وأشاروا إلى قدرة مصر على الدعم بأشكال مختلفة، من تسخير إمكانيات القوات الجوية والبحرية إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والتدريبي والتكنولوجي.

وزاد التصعيد الأخير في اليمن، والحشد الحوثي باتجاه السيطرة على باب المندب، المخاوف بشأن أمن الملاحة البحرية في المضيق.

وسيؤثر أي إغلاق أو اضطراب أمني في مضيق باب المندب على حركة السفن التجارية والنفطية المتجهة إلى قناة السويس، وهي شريان حيوي اقتصادي بالنسبة لمصر.