كيف يمكن تحويل صهارة الأرض إلى طاقة؟

صدر الصورة، Reuters
- Author, أدريان ماري
- Role, بي بي سي، أيسلندا
- Published
- مدة القراءة: 5 دقائق
أنا في واحدة من أشهر المناطق البركانية في العالم، شمال شرقي أيسلندا، قرب بركان كرافلا.
يمكنني أن أرى، من مسافة قصيرة، حافة بحيرة فوهة البركان. وإلى الجنوب أرى تصاعد البخار وغليان الحمم البركانية.
وقد ثار بركان كرافلا 30 مرة على الأقل في السنوات الألف الأخيرة. وكانت آخر مرة في منتصف الثمانينيات.
أرافق فريقاً من العلماء الدوليين يعتزمون الحفر في الحمم البركانية الذائبة، أو الصهارة.
ويتوقع أن تساعد التجارب على حمم بركان كرافلا في فهم التطورات التي تطرأ على الصهارة في جوف الأرض.
وقد تساعد هذه المعلومات بدورها العلماء على توقُّع ثوران البراكين، وتحقيق إنجاز غير مسبوق، وربما استغلال الطاقة غير المحدودة الموجودة في البراكين.
وسيبدأ الفريق عمله في 2026 بإحداث ثقب فريد من نوعه يسمح للعلماء بمراقبة الصهارة في جوف الأرض على عمق 2.1 كيلومتر.
ويقول يان لافال، أستاذ علم البراكين في جامعة لودفيغ ماكسميليان في ميونيخ، ورئيس اللجنة العلمية: "إنها مثل الرحلة إلى القمر، ستغير أشياء كثيرة".
ويرى البروفيسور لافال أن نشاط البراكين يراقَب عادة بأجهزة مثل مقياس الزلازل. كما أن المعلومات متوفرة عن الحمم على سطح الأرض، ولكننا "لا نعرف الكثير عن الصهارة الموجودة في جوف الأرض".
ويضيف: "نريد أن نثبّت أجهزة في الصهارة تسمح لنا بقياس نبض الأرض".

وستوضع من أجل ذلك مجسات الضغط والحرارة على الصخور الذائبة، "وهذان هما المقياسان اللذان نبحث عنهما. نريد أن نتمكن مسبقاً من معرفة ما يجري في الصهارة"، كما يوضح لافال.
ويقطن نحو 800 مليون شخص في العالم على مسافة 100 كيلومتر من براكين نشطة خطيرة. ويأمل الباحثون أن يساعد عملهم في إنقاذ الأرواح، وتوفير الأموال.
وتؤوي أيسلندا 33 بركاناً نشطاً. وتقع على الفجوة التكتونية بين أوراسيا وأمريكا الشمالية. وفي الثوران الأخير، دمرت الحمم البركانية العديد من المنشآت، وقلبت حياة الناس رأساً على عقب في منطقة غريندافيك.
ويشير العلماء أيضاً إلى بركان إيافيالايوكل الذي تسبب في اضطرابات عالمية في 2010 عندما أدّى الرماد إلى إلغاء أكثر من 100 ألف رحلة جوية، وخسائر بلغت قيمتها ثلاثة مليارات دولار.

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وسيستعمل فريق العلماء الثقب الثاني لتجريب تكنولوجيا جديدة تقوم على توليد الطاقة من الحرارة الفائقة في الصهارة.
ويقول البروفيسور لافال: "الصهارة فيها طاقة فائقة، إنها مصدر الحرارة التي تحرك أنظمة طاقة الأرض الجوفية، وتؤدي إلى حرارة الأرض. فلماذا لا نذهب إلى المصدر؟".
فنسبة 65 في المئة من الكهرباء في أيسلندا و85 في المئة من تدفئة المنازل تأتي من حرارة الأرض. إذ يعتمد توليد الكهرباء على السوائل الحارة في جوف الأرض لتشغيل المحركات.
وفي أسفل الوادي تقع محطة كرافلا لتوليد الكهرباء التي تمد 30 ألف بيت بالماء الساخن والكهرباء.
ويقول بيارني بالسون - أحد المشاركين في البحث - مبتسماً: "نريد أن نحفر إلى مستوى الصهارة، وربما نلمسها قليلاً".
"فمصدر حرارة الأرض يقع فوق الصهارة مباشرة. ونعتقد أن الحرارة هناك ما بين 500 إلى 600 درجة مئوية".
ومن الصعب الوصول إلى الصهارة في جوف الأرض. ولكنّ المهندسين الأيسلنديين توصلوا إلى اكتشاف غير متوقع في 2009.
فقد اعتزموا حفر ثقب بعمق 4.5 كيلومتر لاستخراج السوائل فائقة الحرارة. ولكن الحفر توقف فجأة لأنهم صادفوا الصهارة.
ويقول بالسون: "لم نكن نتوقع أبداً الوصول إلى الصهارة على عمق 2.1 كيلومتر. فالوصول إلى الصهارة نادر، ولم يحصل إلا هنا وفي كينيا وهاواي".
وقد أشار مقياس "الحرارة الفائقة" إلى 452 درجة، بينما كانت "حرارة الغرفة" تصل إلى 900 درجة مئوية.
وتظهر صور فيديو تصاعد الدخان والبخار. ودمرت الحرارة الفائقة والصدأ البئر في النهاية.
ويقول بالسون إن هذه البئر أنتجت طاقة أكثر بعشر مرات من متوسط إنتاج الآبار في مناطق أخرى.
وأضاف أن اثنتين من هذه الآبار توفران الطاقة التي تنتجها 22 بئراً في محطة توليد الكهرباء. "وهذه هي الفكرة التي تقلب المفاهيم".
حالياً، يوجد في العالم 600 محطة للطاقة الحرارية الأرضية. وهناك مشاريع لبناء المئات منها بسبب الطلب المتزايد على "الطاقة قليلة الكربون". ويبلغ عمق هذه الآبار 2.5 كيلومتر، وتحتمل حرارة أقل من 350 درجة مئوية.
وتعمل الشركات الخاصة والباحثون في العديد من الدول من أجل الوصول إلى حرارة الأرض العميقة عبر ما يسمى بتكنولوجيا الصخر الفائق الحرارة. وتفوق حرارتها 400 درجة مئوية، على عمق من 5 إلى 15 كيلومتراً.
وتقول روزاليند آرتشر عميدة جامعة غريفيتس في نيوزيلاند إن "الوصول إلى عمق أكثر وإلى احتياطيات حرارة أكثر هو "الكنز الكبير".

وتضيف أن الجانب الواعد في المسألة هو "كثافة الطاقة العالية"، فكل ثقب من هذه الثقوب يمكن أن ينتج طاقة تزيد من خَمس إلى عشر مرات عن إنتاج آبار الطاقة الأرضية المعيارية.
وتقول إن "نيوزيلندا واليابان والمكسيك كلها تفكر في هذه المشاريع، ولكن هذا الفريق هو الأقرب إلى الشروع في الحفر. فالأمر ليس سهلاً، وتكلفة البداية ليست هينة".
فالحفر في محيط في منتهى الشدة سيكون صعباً فنياً ويتطلب تجهيزات خاصة. ولكن البروفيسور لافال يعتقد أن ذلك ممكن، فدرجات الحرارة القصوى موجودة أيضاً في محركات الطائرات، وفي قطاع التعدين، وفي المجال النووي.
وترى سيغرون نانا كارل سوتير، أستاذة الهندسة الميكانيكية في جامعة أيسلندا أنه علينا أن "نبحث عن مواد جديدة مقاومة للصدأ أكثر".
ويعكف فريقها في المختبر على دراسة مقاومة المواد للحرارة الفائقة والضغط والغازات المسببة للصدأ. وتقول إن "آبار حرارة الأرض" تُبنى عادة بالصلب الكربوني، ولكنه يفقد صلابته بمجرد أن تصل الحرارة إلى 200 درجة مئوية، "فنحن نركز على أشابة النيكل والتيتانيوم".
وتقول الأستاذة آرتشر إن "هناك مخاطر أخرى ينبغي أخذها بعين الاعتبار عندما نحفر في الأرض مثل انبعاث الغازات السامة، والتسبب في الزلازل. ولكن الطبيعة الجيولوجية في أيسلندا تجعل ذلك مستبعداً".
سيستغرق العمل سنوات، ولكنه سيمكننا من توقع نشاط البراكين، ويوفر لنا الطاقة البركانية.
وتضيف أن "خبراء حرارة الأرض في العالم كله يتابعون هذا المشروع. فهو مشروع قد يغير صناعة الطاقة".






























