هل تستطيع المجموعات السياسية الجديدة التي تتحدى "أيباك" تغيير السياسة الأمريكية تجاه الفلسطينيين؟

- Author, نادية الهريمي
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Reporting from, واشنطن
- Published
- مدة القراءة: 11 دقائق
كِيسي كينيدي ليس عربياً ولا مسلماً، ولا تجمعه بالشرق الأوسط أي صلة شخصية. ومع ذلك، أصبح أحد الوجوه البارزة في حراك متنامٍ يسعى إلى تحدي نفوذ إحدى أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
بدأ الأمر بحساب على وسائل التواصل الاجتماعي.
كان كينيدي يبحث في تأثير المال في السياسة الأمريكية حين لفتت انتباهه لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة باسم "أيباك".
ومع اتساع حرب غزة، راح يفتش في سجلات تمويل الحملات الانتخابية المتاحة للعموم، ليعرف حجم الأموال التي تلقاها السياسيون الأمريكيون من جهات مؤيدة لإسرائيل.
يقول لبي بي سي: "بدأت ببساطة أبحث في السجلات العامة لتمويل الحملات".
فأنشأ حساباً على منصة "إكس"، وأخذ ينشر عليه رسوماً بيانية تضع أسماء السياسيين إلى جانب حجم الدعم المالي الذي حصلوا عليه من متبرعين ومنظمات مؤيدة لإسرائيل.
وسرعان ما اجتذب المشروع، الذي حمل اسم "تراك أيباك" (رصد أيباك)، جمهوراً واسعاً، إذ يقول كينيدي إن الحساب جمع 100 ألف متابع في شهره الأول.
يقول كينيدي إن ما دفعه في البداية هو رفضه لنفوذ كبار المتبرعين في السياسة الأمريكية.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
ويضيف: "لطالما تمحورت قناعاتي السياسية حول مكافحة الفساد".
كان كينيدي قد خاض حملات ضد النفوذ السياسي لشركات الوقود الأحفوري والأدوية. لكن صور الحرب الواردة من غزة دفعته إلى التركيز على الدعم الأمريكي لإسرائيل.
وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت أمريكية أخرى من خارج المنطقة، هي كوري أرشيبولد، تحاول معالجة القضية ذاتها من زاوية مختلفة.
عملت أرشيبولد في حملات انتخابية، وتقول إنها كانت ضمن الفريق الذي أطلق "جاستس ديموكراتس"، وهي منظمة تقدمية تساعد المرشحين على خوض انتخابات الكونغرس.
كما عاشت وعملت سنوات طويلة في الشرق الأوسط، وكوّنت هناك صداقات مع فلسطينيين.
ومع مشاهدتها للدمار في غزة، تزايد إحباطها من استمرار تدفق المساعدات العسكرية الأمريكية إلى إسرائيل.
خلصت إلى أن الاحتجاجات والضغط الشعبي وحدهما لا يكفيان، وأرادت أن يكون لها تأثير في تحديد من يصل إلى الكونغرس.
تقول: "وهكذا وضعت لنفسي هدفاً: أن أجعل التعامل مع أيباك عبئاً سياسياً، وأن أجعل العمل معها أمراً ساماً سياسياً".
وكانت أرشيبولد تعمل على تأسيس لجنة عمل سياسي، تُعرف في الولايات المتحدة باسم "باك"، حين تعرّف إليها كينيدي.
قرر الاثنان توحيد جهودهما، إذ جمعا بين منصته الإلكترونية وخبرتها في الحملات الانتخابية.
واليوم، يؤيد "تراك أيباك" المرشحين ويموّلهم عبر لجنة العمل السياسي التابعة له، وهو جزء من شبكة متنامية من المجموعات السياسية التي تسعى إلى مساعدة سياسيين أمريكيين مستعدين لتحدي الدعم الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل منذ عقود.
بعض هذه المجموعات متجذر في مجتمعات الأمريكيين من أصل فلسطيني، وبعضها الآخر يقوده أو يدعمه أمريكيون لا تربطهم أي صلة شخصية بالمنطقة.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ترى هذه المجموعات أمامها فرصة، لا لتغيير من يجلسون في الكونغرس فحسب، بل لتغيير قراراته أيضاً.

كيف يؤثر المال في الانتخابات الأمريكية؟
في الولايات المتحدة، يحتاج المرشحون إلى المال لخوض حملاتهم الانتخابية، من الإعلانات التلفزيونية إلى رواتب فرق العمل والجهود المبذولة لكسب أصوات الناخبين.
وتتيح لجان العمل السياسي للمجموعات جمع التبرعات وإنفاقها لدعم مرشحين أو معارضتهم.
أما ما يُعرف بـ"اللجان الكبرى" (سوبر باكس)، فيمكنها تلقي تبرعات غير محدودة، وإنفاق ملايين الدولارات على إعلانات تدعم سياسيين أو تهاجمهم، شرط ألا تنسق هذا الإنفاق مع حملات المرشحين.
وتتولى لجنة الانتخابات الفيدرالية الأمريكية تطبيق هذه القواعد.
ويبرز تأثير هذه اللجان خصوصاً في الانتخابات التمهيدية، حين يختار الناخبون من سيمثل أحزابهم.
ففي مناطق كثيرة من البلاد، حيث يهيمن الديمقراطيون أو الجمهوريون هيمنة شبه كاملة، يكاد الفوز في الانتخابات التمهيدية يضمن الفوز في الانتخابات العامة.
وكانت "أيباك" قد نشطت نشاطاً لافتاً في هذه المعارك.
فالمنظمة تعمل من أجل علاقة قوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد أنفقت لجنتها الكبرى التابعة لها، "مشروع الديمقراطية المتحدة"، مبالغ ضخمة لدعم مرشحين تعدّهم داعمين لإسرائيل، ولمواجهة بعض منتقديها.
وبحسب أرقام تمويل الحملات التي نقلتها إذاعة إن بي آر الأمريكية، أنفق "مشروع الديمقراطية المتحدة" أكثر من 53 مليون دولار بشكل مستقل على الانتخابات خلال الدورة الحالية.
ويقول معارضو المنظمة إن هذا الإنفاق صعّب المنافسة على المرشحين المنتقدين لإسرائيل.
لكنهم باتوا يحاولون، أكثر فأكثر، تحدي "أيباك" بالأدوات نفسها.

صدر الصورة، REUTERS_Jonathan Drake
ما الذي تغيّر في هذه الانتخابات؟
لسنوات، لم تواجه "أيباك" معارضة منظمة تُذكر في المواسم الانتخابية.
ويرى أسامة أندرابي، المتحدث باسم منظمة "جاستس ديموكراتس" التقدمية، أن انتخابات عام 2024 مثّلت ذروة نفوذ "أيباك". ففي ذلك العام، خسر اثنان من أبرز منتقدي إسرائيل في الكونغرس، كوري بوش وجمال بومان، الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، بعد أن أنفقت مجموعات مدعومة من "أيباك" مبالغ طائلة ضدهما، في سباقين يقول أندرابي إنهما من بين الأكثر تكلفة في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب. ويقول: "أعتقد أن كثيرين شطبوا اليسار والتقدميين بعد تلك الهزائم".
أما هذه المرة، فالصورة مختلفة. فـ"أمريكان برايوريتيز" (أولويات أمريكية)، وهي لجنة سياسية كبرى جديدة، تقول إنها بدأت الإنفاق مطلع عام 2026، وتتوقع أن يبلغ إنفاقها نحو 10 ملايين دولار مع نهاية الدورة. كما تأسست لجنة "السلام والمساءلة والقيادة"، المعروفة بـ"بال باك"، عام 2026.
ولا تتوقع أي من هذه المجموعات مجاراة أموال "أيباك"، بل تختار معاركها بعناية.
فكثير من السباقات التي تركز عليها انتخابات تمهيدية للحزب الديمقراطي في دوائر يكاد الفائز فيها يضمن مقعده في الكونغرس. ويقول كينيدي إن "تراك أيباك" يبحث عن سباقات "تكون فيها الفوارق ضئيلة جداً، ويمكننا التأثير فيها دون أن نضطر إلى إنفاق ملايين الدولارات كما تفعل أيباك".
وتقول أرشيبولد إن دعم هذا العدد الكبير من المرشحين يهدف أيضاً إلى "إرباك أيباك"، وإجبارها على توزيع أموالها على عدد أكبر من السباقات.
وإذا فاز عدد كافٍ من مرشحيها، فهي تأمل في بناء كتلة من المشرعين تتحدى الدعم الأمريكي لإسرائيل من داخل الكونغرس.

"الأمر لا يتعلق باليهود"
غريغ كريغ هو المتحدث باسم "أمريكان برايوريتيز"، التي باتت من أبرز منافسي "أيباك" من حيث القدرة المالية.
كريغ أمريكي يهودي، ويقول إن هويته تؤثر في نظرته إلى الجدل الدائر حول إسرائيل والفلسطينيين.
يقول لبي بي سي: "دولة إسرائيل لا تمثل جميع اليهود".
ويشبّه انتقاد الحكومة الإسرائيلية بانتقاد الحكومة الأمريكية.
فبرأيه، الاختلاف مع الرئيس دونالد ترامب لا يجعل المرء معادياً لأمريكا، وبالمنطق نفسه، لا ينبغي أن تُعدّ معارضة سياسات الحكومة الإسرائيلية تلقائياً معاداةً للسامية.
ويقر كريغ بأن معاداة السامية مشكلة حقيقية في الولايات المتحدة، وبأن بعض الناس يطرحون مخاوف مشروعة إزاء الحراك الذي يمثله.
لكنه يرى أن آخرين يستخدمون تهمة معاداة السامية لتشويه أي انتقاد لسياسات الحكومة الإسرائيلية.
ويقول: "أتحدث بوصفي يهودياً فخوراً في الولايات المتحدة، لكن الأمر لا يتعلق باليهود في الولايات المتحدة".
ويقول كريغ إن الغالبية الساحقة من متبرعي المنظمة أمريكيون مسلمون، لكن من بين داعميها أيضاً أمريكيون يهود ومتبرعون صغار وموظفون.
وهدفها أن تضمن للمرشحين الذين يشككون في الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل تمويلاً كافياً لمنافسة شخصيات أكثر رسوخاً في العمل السياسي.
وتقول "أمريكان برايوريتيز" إن المرشحين الذين دعمتهم فازوا في 11 من أصل 12 سباقاً شاركت فيها.
ومن بينهم آدم حماوي، الجراح الأمريكي من أصل مصري والمحارب السابق في الجيش الأمريكي، الذي قدّم مساعدة طبية في غزة، وفاز بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد في الكونغرس عن ولاية نيوجيرسي.
لكن حتى مع ملايين الدولارات التي تملكها، تبقى "أمريكان برايوريتيز" أصغر بكثير من "أيباك" من الناحية المالية.
يقول كريغ: "لا تستطيع أمريكان برايوريتيز منافسة أيباك دولاراً بدولار".
لكنه يرى أن المنظمة تملك أفضلية في تغيير المواقف العامة تجاه إسرائيل، لا سيما بين الناخبين الديمقراطيين.
جهد فلسطيني أمريكي لتغيير الكونغرس

بالنسبة لمارغريت ديروس، القضية شخصية للغاية.
فهي أمريكية من أصل فلسطيني، ولها جذور عائلية في لبنان، وأمضت سنوات في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.
وبصفتها رئيسة "مشروع السياسات" التابع لـ"معهد فهم الشرق الأوسط"، عملت على تعريف السياسيين الأمريكيين بالتجربة الفلسطينية، وعلى الدفع نحو تشريعات تهدف إلى تغيير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
لكنها تقول إن العمل الحقوقي وحده لم يعد كافياً.
فقد أسهمت منظمتها في تأسيس "بال باك" لدعم مرشحين مستعدين لتبني موقف مختلف من إسرائيل والفلسطينيين.
وتقول ديروس إن اللجنة أيدت 20 مرشحاً، وتتوقع أن يفوز 16 منهم بمقاعد في الكونغرس.
وتضيف أن "بال باك" ساعدت في توجيه نحو 250 ألف دولار من التبرعات إلى المرشحين، وأنفقت قرابة 150 ألف دولار بشكل مستقل على أنشطة انتخابية.
أما المنظمة الحليفة لها، "مشروع السياسات" التابع للمعهد، فقد أنفقت نحو 1.4 مليون دولار، بحسب ديروس.
وهذه أرقام أقل بكثير مما تنفقه "أيباك"، لكنها تؤكد أن الهدف ليس مجاراتها.
بدلاً من ذلك، تسعى "بال باك" إلى المساهمة في بناء كتلة أكبر من المشرعين الداعمين لحقوق الفلسطينيين، والمستعدين لتحدي المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
وتقول ديروس إن المنظمة متجذرة في العمل السياسي للأمريكيين من أصل فلسطيني، لكن من بين داعميها أمريكيون يهود وأشخاص لا تربطهم أي صلة شخصية بالمنطقة.
وتقول: "لستَ بحاجة إلى أن تكون فلسطينياً أو عربياً لتنظر إلى طفل جائع وتعرف أن هذا خطأ".
ويظهر تنوع هذا الحراك الناشئ أيضاً في "تراك أيباك".
فبحسب أرشيبولد، ورغم أن بين داعمي المجموعة أمريكيين فلسطينيين ويهوداً، فإن الصورة الأكثر شيوعاً لصغار متبرعيها قد لا يتوقعها كثيرون: جدة بيضاء بروتستانتية في التاسعة والستين من عمرها، من عمق المجتمع الأمريكي.
تقول: "يكاد كل دولار نجمعه يأتي من أشخاص يتبرعون بعشرة دولارات أو 25 أو 50 دولاراً في كل مرة".
ويقول كينيدي إن المجموعة أيدت أكثر من 150 مرشحاً، لكنها تركز مواردها المالية على عدد أقل من السباقات التي تعتقد أنها قادرة على التأثير في نتائجها.
لماذا الآن؟

صدر الصورة، Reuters
يأتي صعود هذه المجموعات في ظل تحول في مواقف الأمريكيين تجاه إسرائيل، لا سيما داخل الحزب الديمقراطي.
فقد أظهر استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك أن 48 في المئة من الناخبين الأمريكيين المسجلين يرون أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل أكثر من اللازم.
وترتفع هذه النسبة إلى 66 في المئة بين الناخبين الديمقراطيين.
وقد فتح هذا التحول الباب أمام سياسيين أكثر جرأة في انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية.
كما دفع منظمات تقدمية مُنيت بهزائم في انتخابات عام 2024 إلى مراجعة استراتيجياتها.
وبالنسبة لأندرابي، أثبتت تلك الهزائم الحاجة إلى بناء حراك سياسي أقوى.
و"جاستس ديموكراتس" منظمة تقدمية راسخة، تدعم مرشحين يخوضون حملاتهم حول قضايا مثل الرعاية الصحية وحقوق العمال وعدم المساواة الاقتصادية، إلى جانب تغيير السياسة الخارجية الأمريكية.
ويقول أندرابي إن المنظمة أيدت 15 مرشحاً تقدمياً، فاز 10 منهم في الانتخابات التمهيدية.
يخوض سبعة منه هؤلاء الانتخابات في دوائر ذات غالبية ديمقراطية كبيرة، ويرى أندرابي أن وصولهم إلى الكونغرس شبه مؤكد.
ويعتقد أن هذه النتائج تعكس استعداداً متزايداً لدى الناخبين الديمقراطيين لرفض السياسيين الذين يتلقون دعماً من "أيباك".
ويقول: "لقد جعلنا التعامل مع أيباك وصمة لدى الناخبين الديمقراطيين"، معتبراً أن دعم المنظمة بات عبئاً على المرشحين في بعض السباقات.

صدر الصورة، Reuters
من هم المرشحون؟
معظم المرشحين الذين تدعمهم هذه المجموعات ديمقراطيون، لأن السباقات التي أنفقت فيها كانت في الغالب انتخابات تمهيدية داخل الحزب الديمقراطي.
في المقابل، دعمت "أيباك" في هذه الانتخابات مرشحين من الحزبين، ويقول أندرابي إن عدد الجمهوريين الذين أيدتهم زاد بنحو 100 على عدد الديمقراطيين.
وتتداخل قوائم هذه المجموعات، لكنها دعمت مجتمعةً عشرات المرشحين. وتقول أرشيبولد إن 27 عضواً من "كتلة تراك أيباك"، كما تسميها المجموعة، سيجلسون في الكونغرس المقبل، بينهم نواب حاليون فازوا في انتخاباتهم التمهيدية، ووجوه جديدة مثل حماوي.
لكن لم تنته كل السباقات بالفوز. ففي ولاية نورث كارولاينا، دعمت "أمريكان برايوريتيز" ندى علّام في مواجهة عضوة الكونغرس فاليري فوشي، التي فازت بالسباق. ويشير كريغ إلى أن فوشي سبق أن حصلت على دعم "أيباك"، لكنها لم تقبله هذه المرة.
أما السباق الذي حظي بأوسع متابعة، فكان في ولاية ميشيغان.
فقد هزم عبد الرحمن السيد ("عبدول السيد")، الديمقراطي التقدمي المعروف بانتقاده لسياسات إسرائيل، عضوة الكونغرس هيلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وفاز بترشيح الحزب لخوض انتخابات مجلس الشيوخ.
وأنفقت "أيباك" ومجموعات حليفة لها نحو 30 مليون دولار لدعم ستيفنز أو لمواجهة السيد، بحسب وكالة فرانس برس.
ورأى معارضو "أيباك" في هذه النتيجة دليلاً على أن الدعم المالي الضخم، مهما بلغ، لا يضمن الفوز.
لكن من الصعب الجزم بأن المجموعات السياسية الجديدة هي التي صنعت هذه الانتصارات.
فالمرشحون يفوزون أو يخسرون أيضاً بسبب مواقفهم من قضايا محلية، وطريقة تنظيم حملاتهم، وطبيعة منافسيهم، والتوجهات السياسية العامة.
كما تقول "أيباك"، بحسب وكالة فرانس برس، إن مئات المرشحين الذين دعمتهم فازوا في الانتخابات التمهيدية.
هل تفقد "أيباك" نفوذها؟

صدر الصورة، Getty Images
رغم بعض الهزائم البارزة، تظل "أيباك" قوة مؤثرة في السياسة الأمريكية.
ولا تزال تملك من المال أضعاف ما يملكه منافسوها مجتمعين.
لكن أندرابي يقول إن "أيباك" لجأت إلى ضخ ملايين الدولارات عبر لجان سياسية جديدة لا تحمل اسمها، أُنشئ بعضها قبل الانتخابات بأسابيع، ويرى في ذلك دليلاً على أن الارتباط العلني بـ"أيباك" بات عبئاً على المرشحين.
وفي تحول لافت، أعلنت "أيباك" أنها ستتوقف عن إعلان تأييدها الرسمي للمرشحين، وعن تقديم تبرعات مباشرة لحملاتهم عبر لجنة العمل السياسي التابعة لها، بحسب إذاعة إن بي آر.
أما لجنتها الكبرى، "مشروع الديمقراطية المتحدة"، فستواصل عملها.
وقد تواصلت بي بي سي مع كل من "أيباك" و"مشروع الديمقراطية المتحدة" للتعليق، لكن أياً منهما لم يرد على استفساراتنا.
وقالت المتحدثة باسم "أيباك"، ديرين سوسا، لإذاعة إن بي آر إن مهمة المنظمة لم تتغير، وإن أعضاءها سيواصلون التبرع مباشرة للمرشحين الذين يدعمون علاقة قوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
فيما قال باتريك دورتون، المتحدث باسم "مشروع الديمقراطية المتحدة"، لصحيفة نيويورك تايمز إن القول بأن استراتيجية المجموعة جاءت بنتائج عكسية ليس سوى رواية "يروّج لها اليسار المعادي لإسرائيل".
ماذا يعني ذلك للفلسطينيين؟
بالنسبة للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلة وفي أنحاء المنطقة، يبقى السؤال: هل يمكن لأي من هذه الانتصارات الانتخابية أن يُحدث تغييراً ملموساً في السياسة الأمريكية؟
ويتهم كثير من منتقدي إسرائيل، ومنهم عدد من المجموعات الواردة في هذا التقرير، إسرائيلَ بارتكاب إبادة جماعية في غزة. وترفض إسرائيل هذا الاتهام، وتقول إن حملتها العسكرية تستهدف حماس منذ الهجوم الذي شنته الحركة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويؤدي الكونغرس الأمريكي دوراً مهماً في إقرار التمويل العسكري، وسنّ القوانين، ومراقبة أداء الحكومة الأمريكية.
وتأمل المجموعات التي تتحدى "أيباك" أن يُترجم انتخاب مشرعين أكثر تعاطفاً، في نهاية المطاف، إلى قيود على نقل الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل.
فـ"بال باك"، على سبيل المثال، تريد من أعضاء الكونغرس دعم مقترحات مثل مشروع قانون "أوقفوا القنابل"، الذي يسعى إلى منع نقل أنواع معينة من الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل.
لكن ذلك، بالنسبة لديروس، ليس سوى البداية.
تقول: "نؤمن بأننا بحاجة إلى حظر شامل على الأسلحة، وسنعمل على حشد الدعم لذلك داخل الكونغرس".
كما تريد أن ترى دعماً أكبر لفرض عقوبات على إسرائيل بسبب معاملتها للفلسطينيين.
ولـ"تراك أيباك" طموحات مماثلة، إذ يقول كينيدي إن المرشحين الذين يسعون إلى الحصول على تأييد المجموعة يُطلب منهم رفض دعم "أيباك" وتأييد حظر شامل على الأسلحة.
أما "أمريكان برايوريتيز"، فتتبنى نهجاً أقل تحديداً.
يقول كريغ: "ليس لدينا اختبار حاسم لمرشحينا. للأسف، لسنا الآن في مرحلة الحلول".
ويضيف أن الأولوية في الوقت الراهن هي ربط المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل بشروط أو حجبها بالكامل، وأن المرشحين الذين تدعمهم المنظمة يؤيدون إجراءات مثل مشروع قانون "أوقفوا القنابل".
وعلى المدى القريب، يأمل كريغ أن يتمكن الديمقراطيون، إذا فازوا بالسيطرة على الكونغرس، من استخدام أصواتهم لإضافة شروط إلى تشريعات يريد الجمهوريون تمريرها، بما في ذلك إجراءات لإدخال المساعدات إلى غزة. ويقول إن هذه قد تبدو في واشنطن "قضايا ثانوية"، لكنها "قد تكون مسألة حياة أو موت لكثير من الناس".
غير أن هذه المقترحات تواجه عقبات سياسية كبيرة.
فالدعم الأمريكي لإسرائيل لا يزال راسخاً في الكونغرس، لدى الحزبين الرئيسيين على حد سواء.
وحتى لو انتُخب مزيد من المرشحين المؤيدين للفلسطينيين، فسيظل عليهم إقناع عدد كافٍ من زملائهم بدعم التشريعات، وتجاوز معارضة البيت الأبيض حين تكون موافقة الرئيس مطلوبة.
كما أن الفوز بمقاعد في الكونغرس لن يغيّر تلقائياً السياسة الأمريكية تجاه دول أخرى في الشرق الأوسط.
لكن أصحاب هذا التوجه يرون أن التغيير لا بد أن يبدأ من مكان ما.
وبالنسبة لديروس، يبعث احتمال تزايد الدعم لحقوق الفلسطينيين في الكونغرس على الأمل، حتى وهي تتابع معاناة الفلسطينيين والدمار في لبنان، حيث تعود جذور جزء من عائلتها.
وتتحدث عن الحزن والغضب اللذين يحملهما الفلسطينيون، إلى جانب إيمانهم بأن العمل السياسي المنظم قادر في النهاية على إحداث التغيير.
وحين سألناها هل الانتخابات الأمريكية قادرة فعلاً على إحداث فرق في حياة الناس في الأراضي الفلسطينية والمنطقة، جاء ردها حاسماً:
"أقول إنها قادرة تماماً على تغيير كل شيء، لكن لن يتغير شيء إذا لم نشارك".
بالنسبة للمنظمات الجديدة التي تتحدى "أيباك"، تدور المعركة الآن حول من سيصل إلى الكونغرس.
أما طموحها الأبعد، فهو تغيير القرارات التي تُتخذ في واشنطن، وتنعكس على حياة أناس يعيشون على بعد آلاف الأميال.





























